ابن عربي
651
الفتوحات المكية
من صفات الطبيعة ثم إن الله قد أخبر عن الملأ الأعلى أنهم يختصمون والخصام من الطبيعة لأنها مجموع ضداد والمنازعة والمخالفة هي عين الخصام ولا يكون إلا بين الضدين ومن هذا الباب قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء هذا من طبيعتهم وغيرتهم على الجناب الإلهي فلو وقفوا مع روحانيتهم لم يقولوا مثل هذا حين قال لهم الله إني جاعل في الأرض خليفة بل كان جوابهم من حيث ما فيهم من السر الإلهي أن يقولوا ذلك إليك سبحانك تفعل ما تريد ونحن العبيد تحت أمرك بالطاعة لمن أمرتنا بطاعته فبالذي وقع من الإنسان من الفساد وغيره مما يقتضيه عالم الطبع به بعينه وقع الاعتراض من الملائكة فرأوه في غيرهم ولم يروه في نفوسهم وذلك لما قررناه من أن التعشق بالغرض يحول بين صاحبه وبين فعل ما ينبغي له أن يفعله ولهذا قال لهم الله تعالى إني أعلم ما لا تعلمون ثم أراهم الله شرفه عليهم بما خصه به من علم الأسماء الإلهية التي خلق المشار إليهم بها وجهلتها الملائكة فكأنه يقول سبحانه أجعل علمي حيث شئت من خلقي أكرمه بذلك فمن هنا تعلم ما ذكرناه وسيأتي العلم بهذا الأمر محققا مستوفى في منزله الخاص به فإن علوم هذه المنازل على قسمين منها علوم مختصة بالمنزل لا توجد في غيره ومنها علوم يكون منها في كل منزل طرف واعلم أن القلب وإن كان محل السعة الإلهية فإن الصدر محل السعة القلبية إذ كان إنما سمي صدرا لصدوره ولهذا قال ولكن تعمي القلوب التي في الصدور فإن القلب في حال الورود يضيق لما يقتضيه من الجلال والهيبة وما يعطيه القرب الإلهي والتجلي وإذا صدر اتسع وانفسح لأنه كون وهو صادر إلى الكون فينفسح للمناسبة وتتسع أشعة نوره بانبساطها على الأكوان ويبتهج بكونه خص بهذا التعريف الإلهي على أبناء جنسه ولهذا إذا عرض له عارض يقبضه في غير محل القبض ينبهه الحق يذكره ما أنعم الله به عليه ليتذكر النعمة الإلهية عليه فيحول بينه وبين ما كان عليه من الضيق فهو في الظاهر من إلهي وفي المعنى رحمة بهذا القلب فمن هنا يقرر الحق عبده على ما متن به عليه فإن قلت فإن الله قد ذكر أنه يمن على عباده قلنا إنما جاء هذا لما امتنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم فقال الله له قل لهم يا محمد بل الله يمن عليكم إن هداكم للإيمان أي إذا دخلتم في حضرة المن فالمن لله لا لكم فهو من علم التطابق لم يقصد به المن فما كان الله ليقول في المن ما قال ويكون منه كما قال صلى الله عليه وسلم ما كان الله لينهاكم عن الربا ويأخذه منكم وما كان الله ليدلكم على مكارم الأخلاق من العفو والصفح ويفعل معكم خلافه فإذا وقع منكم من سفساف الأخلاق ما وقع رد الحق سبحانه أعمالكم عليكم لا أنه عاملكم بها من نفسه وإنما أعمالكم لم تتعداكم فلله المنة التي هي النعمة والامتنان الذي هو إعطاء المنة لا المن سبحانه وتعالى وإذا أراد الله تعالى رفعة عبده عند خلقه ذكر لعباده منزلته عنده إما بالتعريف وإما بأن يظهر على يده وفي حاله ما لا يمكن أن يكون إلا للمقرب من عباده فتنطلق له الألسنة وتنطق بعلو مرتبته عند سيده مثل فتحه صلى الله عليه وسلم باب الشفاعة يوم القيامة الذي اختص به على سائر الرسل والأنبياء فيعلو مناره في ذلك الموطن على كل أحد وهنالك تطلب الرياسة والعلو وأما في الدنيا فلا يبالي العارف كيف أصبح ولا أمسى عند الناس لأنهم في محل الحجاب وهو في موطن التكليف فكل إنسان مشغول بنفسه مطلوب بأداء ما كلف به من العمل ومما يتضمن هذا المنزل علم التنكير وهو التجلي العام وعلم التعريف وهو التجلي الخاص وهو مندرج في العام كالاسم الرب إذا تجلى فيه الحق لعباده فإنه تجل عام وإذا تجلى في مثل قوله فوربك فهو تجل خاص وإن كانت التجليات من الربوبية ولكن بينهما تباين فإن الحال التي لك مع الملك في مجلس العامة ليس هو الحال التي لك معه إذا انفردت به فلهذا مقام وعلم خاص ولهذا مقام وعلم خاص والتجلي العام أكثر علما وأنفع والتجلي الخاص أعظم قربة واعلم أن أصل الأمور كلها المعرفة عندنا والنكرة عرض طارئ فإذا عرض وقع الإبهام والإشكال فالعارف من عرفه في حال التنكير فهو نكرة في العموم وعند هذا هو معرفة في النكرة إذا قال القائل كلمت اليوم رجلا فرجل هنا نكرة وهو عند من كلمه معرفة بالتعيين في حال الحكم عليه بالنكرة فالذي يشاهد العارف من الحق في حال النكرة والإنكار من العالم هو عين المعرفة عنده لكونه أبقاه على الإطلاق الذي يستحقه في حال تقيده به العقائد فيجهله العامة في التنكير وهو مقام